محمد سعيد رمضان البوطي

223

فقه السيرة ( البوطي )

اللّه عنه اسمه جهجاه بن سعيد الغفاري تنازع مع سنان بن وبر الجهني ، وهما مع جمع عند ماء المريسيع أثناء مقام النبي صلى اللّه عليه وسلم هناك ، وكادا أن يقتتلا ، فصرخ الجهني : يا معشر الأنصار ، وصرخ جهجاه : يا معشر المهاجرين ، فسمع بالأمر عبد اللّه بن أبي بن سلول ، فغضب وقال للرهط ممن معه : أو فعلوها ؟ ! . . قد نافرونا وكاثرونا في دارنا واللّه ما أعدنا وجلابيب قريش - يقصد المسلمين من قريش - إلا كما قالوا : سمّن كلبك يأكلك أما واللّه لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل . وكان ممن سمع كلامه زيد بن أرقم ، فمشى إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يخبره الأمر ، وكان عنده عمر رضي اللّه عنه فقال : يا رسول اللّه مر به عبّاد بن بشر فليقتله ، فقال له عليه الصلاة والسلام : « فكيف يا عمر إذا تحدث الناس أن محمد يقتل أصحابه ؟ لا ، ولكن أذّن بالرحيل » ، وذلك في ساعة لم يكن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يرتحل فيها ، فارتحل الناس . ومشى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بالناس يومهم ذلك حتى أمسى ، وليلتهم حتى أصبح ، وصدر يومهم ذلك حتى آذتهم الشمس ، ثم نزل بالناس فلم يلبثوا أن وجدوا مس الأرض فوقعوا نياما ، وإنما فعل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ذلك ليشغل الناس عن الحديث الذي كان بالأمس من حديث عبد اللّه بن أبي . ونزلت سورة المنافقين تصديقا لقول زيد بن أرقم عن عبد اللّه بن سلول ، وفيها يقول اللّه تعالى : يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ ( 8 ) « 1 » [ المنافقون : 8 ] . وجاء عبد اللّه بن عبد اللّه بن أبيّ إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم - بعد أن رجعوا إلى المدينة - فقال : إنه بلغني أنك تريد قتل أبي فيما بلغك عنه ، فإن كنت لا بد فاعلا ، فمرني فأنا أحمل إليك رأسه ، فو اللّه لقد علمت الخزرج ما كان لها من رجل أبرّ بوالده مني وإني أخشى أن تأمر غيري فيقتله فلا تدعني نفسي أنظر إلى قاتل عبد اللّه بن أبي يمشي في الناس ، فأقتله فأقتل رجلا مؤمنا بكافر فأدخل النار ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « بل نترفق به ونحسن صحبته ما بقي معنا » . وجعل بعد ذلك إذا حدث عبد اللّه بن أبيّ بالحديث ، كان قومه هم الذين يعاتبونه

--> ( 1 ) رواه بهذا الشكل ابن إسحاق مرسلا ، ورواه مختصرا عن هذا ابن سعد ، والبيهقي عن جابر ، وأحمد وابن جرير عن زيد بن أرقم ، وابن أبي حاتم عن عمرو بن ثابت الأنصاري وجميع الروايات متقاربة في التفصيل ، متفقة في الخلاصة وكلها ما عدا مرسل ابن إسحاق موصولة السند ، وراجع تفسير ابن كثير : 4 / 37 ، وتاريخ ابن جرير : 2 / 606 ، والفتح الرباني : 21 / 70 و 18 / 306 ، وسيرة ابن هشام : 2 / 291 .